أدب وفن

قلب على حافة الطريق  

يمنات 

أمشي  

كأن الطريق يخرج من صدري لا من الأرض  

والخطوة التي أضعها أمامي تبحث عن ظلها قبلي  

وتفتش عني في مسافة لم أصل إليها بعد  

أحمل ندبة قديمة كخريطة وساعة مكسورة في جيبي

 

أمضي  

كي لا يطول وقوفي فيتسع خوفي  

كي لا يصبح الصمت صخرة تطفو فوق روحي  

تحجب عنها ما تبقى من وهج خافت  

الحياة تختبر قدرتي على التنفس  

وتسألني بصوت لا يسمعه غيري  

هل ما زلت قادرًا على حمل نفسي حين لا يحملني أحد

 

وفي صدري اسم لا يزول  

أن تكون فلسطينيًا يعني أن تحمل في صدرك وطنًا أكبر من الخيمة  

تنهض من تحت الركام كأنك شجرة لا تنكسر  

تعرف الجوع وتصنع من الصبر خبزًا  

ترى بيتك يتحول إلى رماد فتبنيه من ذاكرة لا تحترق

 

يا من في الخيمة  

كيف يسعك الليل الطويل  

كيف تصنع من الجوع أغنية  

ومن الدمار حكاية  

ومن فقدان مقومات الحياة وعدًا بالنهار

 

أيها السائر في طرقات المنفى  

خطواتك تحمل رائحة الأرض  

وصمتك يخبئ أصوات الشهداء  

الوطن فيك دم يجري  

وصوت لا يخفت  

وإصرار لا ينكسر

 

ورثت التعب  

كما يورث الليل سر عتمته  

ورثت يد أم تخيط خوفها بخيط من نور  

ورثت كتف أب يحمل البيت كأنه يحمل زمنًا هشًا  

ورثت صمتي حين أدركت أن العودة ظلٌ بعيدٌ  

يمتد كلما اقتربت  

ويبتعد كلما حاولت الإمساك به

 

ثم في منتصف الطريق  

الخطوة اعتراف  

والطريق مرآة  

كلما تقدمت اقتربت من شيء كان ينتظرني بصبر لا يشبه صبري  

صمت واحد يكسر التاريخ  

وجدت في جيبي مفتاحًا صدئًا لا يفتح بابًا بل يفتح ذاكرة

 

في الغربة نافذة على هواء لا يشبهني  

مسافة تتسع كلما حاولت أن أضيقها  

خطوة تتردد قبل أن تلمس الأرض كأنها تسأل الطريق هل ما زال يعرف وجهي الذي تغيّر  

الليل يذوب في عقارب ساعة معلقة على جدار الغربة  

خارطة تدلني على كل شيء إلا الطريق الذي يقود إليّ  

ويعيدني إلى نفسي التي فقدتها  

كما يفقد الماء شكله حين يغادر الكأس  

ثم يعود الصوت ليقيس ما تبقّى من وجهي

 

أحمل حجارة الذاكرة في جيبي  

خفيفة كرماد حلم  

وثقيلة كصوت قديم لم يكتمل  

كل واحدة منها باب نصف مفتوح وبيت ينتظر من يوقظ نوافذه  

طفولة تلوّح لي من بعيد كأنها تعرف أنني أمشي نحوها  

ولا أصل إليها مهما طال الطريق

 

نبضة واحدة  

في صدر المسافة

 

والنور يخرج من الندبة في صدري كأنه يعلن أن الجرح باب إلى الفجر  

والوصول ليس نهاية بل بداية أخرى لا أعرف كيف أبدأها

 

أمشي ببطء حتى يختفي ظلي خطوة بعد أخرى  

أرفع جرحي كما ترفع زهرة ذابلة رائحتها الأخيرة  

خذ ما تشاء من أثري  

واترك لي خطوتي التي لا يسمعها أحد سواي  

لأنها الخطوة التي صنعتني لا الخطوة التي صنعت الطريق

 

أنهض من داخلي كما تنهض شجرة بعد المطر  

أجمع شتاتي كما تجمع الريح أوراق الشجر  

أحمل جناحًا مكسورًا في صدري لكنه يعرف طريقه إلى السماء  

أقول للريح خذي ما تشائين لكنني سأبقى  

ما تبقّى في داخلي أقرب إلى وهج من هذا الظلام  

وأقرب إلى نفسي من كل الطرق والأبواب التي لم أفتحها بعد

 

وفي آخر الليل  

حين يهدأ كل شيء إلا نبضي  

أسمع صوتًا يشبهني يقول

 

يا ابن الطريق  

لا تنحنِ

 

الذين يحملون أوطانهم في صدورهم لا يضيعون  

هم أوطان صغيرة تمشي بلا ضجيج  

تترك خلفها نورًا يراه من مشى طويلًا  

ويعرف أن الطريق كان دائمًا فيه  

وأمضي 

زر الذهاب إلى الأعلى